The Official Facebook Page of The Islamic Counterterrorism Institute
بسم الله الرحمن الرحيم
أهلا وسهلا بكم في المؤسسة الإسلامية لمكافحة الإرهاب™
Welcome to The Islamic Counterterrorism Institute™ (ICI)

شبح اغتيال المواطنين يستوجب خطة بيروت الكبرى

From The Islamic Counterterrorism Institute
Jump to: navigation, search


شبح اغتيال المواطنين يستوجب خطة بيروت الكبرى

يؤسس صلح الدوحة لمرحلة انتقالية تفصل ما بين الانتخاب الفوري لرئيس الجمهورية وبين الانتخابات التشريعية بعد عام. وضع صلح الدوحة قواعد للعبة في المرحلة الانتقالية.

لم تكن هذه القواعد أفضل ما يمكن التوصل إليه إن قيس الأمر على وجه العمومية والاطلاق، وإنما أفضل ما كان متاحاً التوصل إليه في الظروف الأمنية الضاغطة، التي لا تختزل في غزوة بيروت، وإنما تشمل المشكلة الكيانية الشاملة التي طرحتها غزوة بيروت، ولا تزال. ذلك أن غزوة بيروت قد مهد لها بخطاب يمكن محاكاته على الشكل التالي: اعذروني يقول "حزب الله"، فالانتصار وظيفتي، وعلة وجودي. أنا جماعة ملت العيش في أمة مهزومة، أنا مجبر على تحقيق الانتصارات بشكل دوري، لحفظ انتصاراتي السابقة من كل شر.

أنا مخيّر، يتابع "حزب الله"، بين أن أريكم المزيد من الانتصارات وبين أن أفقد كل انتصاراتي. لا يمكنني أن أثبت على انتصارات بعينها. مشكلتي لما كنت قد اخترت الحرب المفتوحة مع العدو الاسرائيلي فقد بت أنا أيضاً ضحية لمعادلة: إما أن أنتصر على الدوام، وإما أن أهزم شر هزيمة، فيما لو تعثرت مرة واحدة.

هذا يعني أن "حزب الله" يفرض على أخصامه السياسيين مهمة في غاية الإلحاح كما في غاية الصعوبة. هو يقول لهم: أنا مضطر لتخوينكم، بصرف النظر عن الوقائع، هذا لأني مضطر للانتصار مجدداً في أي موقع كان. التحدي إذاً أن يتمكن أخصامه، ووسط وابل التخوين الذي ينالهم، من أن "يؤهل" "حزب الله" لكي يثبت على انتصارات بعينها، ليس لأن المطلوب هو تطبيع علاقة لبنان مع اسرائيل في ما يتجاوز "اتفاق الهدنة"، وإنما لأن المطلوب هو تطبيع علاقة "حزب الله" مع لبنان، وتطبيع علاقة اللبنانيين مع الخصوصية التي يمثلها "حزب الله" في تاريخ كيانهم. المعادلة هي التالية: لسنا مضطرين لتقبل تخوينك. ولست مضطراً للبحث عن انتصارات لا تنتهي. الانتصارات التي لا تنتهي أشبه ما تكون بالهزائم: لا يمكن صرفها.

فما حصل ميدانياً، وسياسياً، أن الذهنية "المجبرة على النصر"، بشكل دوري، كيفما كان، وحيثما كان، وأياً تكن الأكلاف، لم تجابه في الداخل اللبناني، بذهنية شمشونية مقابلة، من نوع "لنذهب الى الجحيم سوية"، ولم تجابه كذلك الأمر بالاستسلام والرضوخ، إنما جوبهت فعلاً بتمكن الطرف المقابل لـ"حزب الله" من التعبير عن هواجس لا يمكن لأي عنصر من "حزب الله" إلا أن يطرحها على نفسه، خلسة، وعندما يكون غير مضطر لتكلف التشنج والزجر.

فحزب الله تفاخر بأنه يمكنه السيطرة، مع حلفائه، على كل لبنان، في بضع ساعات، وان مجرد عدم قيامه بذلك يؤكد أنه حزب منفتح على منطق الديموقراطية التوافقية ومحب للمشاركة.

بدلاً من أن يكون الرد بأن لا مكان لك في الديموقراطية التوافقية، وبأنه ليس يمستطاعك السيطرة عسكرياً على كل لبنان، فقد جاءه الرد من كل مواطن مخالف لوجهة نظر "حزب الله"، على الشكل التالي: نحن نعلم جيداً بأن لديك مجموعات قادرة "نظرياً" على اقتحام السرايا، لكن لن تجد بيننا "باسيوناريا" تقول لكم إنكم "لن تمروا". لا يعني ذلك أنكم ستستقبلون بالأرز والياسمين، خصوصاً وأن المخاوف الديموغرافية وتلك التي تتعلق بالحريات العامة والخاصة ستسبقكم حيثما يممتم الشطر، وكذلك تجاوزات حلفائكم ستسبقكم، مهما حاولت فرض "الانضباط" على الحلفاء. انتشروا إذاً على مساحة الوطن كله إن شئتم. لكن ماذا بعد؟ أنتم أذكياء ونبهاء، وتعلمون جيداً، قبل غيركم، الكلفة الباهظة لهذا الأفق لو تحقق. حتى لو لم تأت النجدة العربية والدولية لقوى الأكثرية. حتى ولو لم يحرك العالم كله ساكناً. أتذكرون حسني الزعيم، منفذ أول انقلاب عسكري في العالم العربي؟ جاؤوا يهللون له "سيدنا، سوريا كلها لك"، فبادرهم بالسؤال: "ويحكم، ماذا أفعل بها". وبشار الأسد، هو أيضاً، يعد العدة للخروج من المأزق الوجودي نفسه إذا ما قيل له في نهاية المفاوضات، التي ترعاها تركيا "يا دكتور، الجولان كله لك". فماذا لو صحوتم ذات يوم على من يقول لكم: "لبنان كله لكم".

في المقابل، فإن "قوى 14 آذار" تخوّن في الليل وفي النهار، ويلصق "الاعلام الحربي" بها أبشع الصفات، ولا يراعي هدنة أو صلحاً، فيما يطالب الاعلام المستقبلي أو الـ14 آذاري بـ"التهدئة"، و"تجنب الفتنة". لكن قوى 14 آذار لديها ما يحتاج إليه بشكل مصيري معشر "حزب الله". لديها الدواء لمشكلة الغدد التي يعانيها الحزب. مشكلة الحزب أنه صار "مجبراً على الانتصار"، بشكل دوري، وحيثما كان. لأن ذهنية "الحرب المفتوحة" تستتبع حتماً مثل هذا الداء. فإسرائيل هي التي تمس وجوداً وكياناً إذا ما خسرت جولة عسكرية واحدة، أليس هذا ما يقوله "حزب الله" أكثر من سواه؟ هذه المجادلة الافتراضية لم تتضح على هذا الشكل في مؤتمر الدوحة، لكنها كانت في مكان ما "شرط إمكان" صلح الدوحة. غير أن الصلح كان يفترض به أن يتم بثقافة سياسية من وحي هذه المجاملة الافتراضية، وتحت شعار "لا غالب ولا مغلوب".

المشكلة هنا أن أطراف المعارضة استخفت كثيراً بهذا الشعار. اعتبرته محض مجاملة. ورأت أن من "الصراحة" القول، على ما جاء في مداخلة الشيخ نعيم قاسم في ذكرى الإمام الخميني، ان صلح الدوحة أعطى كل ما كانت تطلبه المعارضة، ولم يعط شيئاً للأكثرية البرلمانية. الصلح تلطف في أحسن الأحوال، وحفظ ماء وجه الفريق الأكثري. خالت المعارضة أن حفظ ماء وجه الأكثرية معياره التسابق لترشيح زعيم الأكثرية البرلمانية رئيساً للوزراء، على ما يقره الدستور اللبناني.

عند هذه العتبة تظاهروا بالصدمة من إعادة تسمية فؤاد السنيورة. تهمة السنيورة: انه "صمد" أمام المعارضة. فكيف "تجرؤ" الأكثرية وتسميه مجدداً؟ بإعادة التسمية تكون الأكثرية ككل قد "صمدت" أمام المعارضة. عندها ستتظاهر المعارضة بالصدمة مجدداً من عدم اعتراف الأكثرية بالانتصار الميداني العسكري المحقق في بيروت. لأجل ذلك، كان لا بد من عودة ريما الى حكايتها القديمة: التلويح مجدداً بالقبضة الأمنية. تطبيع التجاوزات. وضع العصي في عجلة المؤسسة العسكرية. جعل الاعتداءات من يوميات أهل بيروت. إذا لم تكن الفرصة سانحة لاغتيال نواب ووزراء، يمكن التركيز على... اغتيال مواطنين.

اغتيال المواطنين هو الشبح الذي يتهدد كل المواطنين بعد حادثة عماد الزغلول. وهذا الشبح لا يردع إلا بمضي العهد الرئاسي الجديد الى حيث انضاج خطة بيروت كبرى تسري فيها أحكام القانون اللبناني، من أول سؤال الأمن حتى آخر الجباية. لا سلاح غير مرخص يمكن التجوال به. لا بزة مرقطة لغير القوى الأمنية الشرعية. المناطق الحساسة التي تحتاج الى حمايات أمنية خاصة تحدد بالاتفاق الواضح مع المعنيين. لا تعود هذه المناطق بـ"حاجة" الى التمدد. سيتيح ذلك شيئاً بعد شيء، ترميم أجواء التصالح، وتعزيز مناخات حسن الجيرة، مع المحيط المختلف أو المختلط مذهبياً وطائفياً.

الحاجة الوطنية الآن الى إطلاق خطة بيروت الكبرى لحماية أمن المواطنين ولحماية الحريات العامة والخاصة... إنها الضمانة لموسم الاصطياف، ولما بعده، ولا بأس لو كانت خطة متدرجة على مراحل، لكن المهم أنها الشرط لقيام انتخابات نيابية نزيهة، وبلا ضغوط، فما نفع الاقتراع من وراء الستارة، ان كان الاقتراع مباحاً تحت ضغط السلاح؟

وسام سعادة - كاتب واستاذ جامعي