The Official Facebook Page of The Islamic Counterterrorism Institute
بسم الله الرحمن الرحيم
أهلا وسهلا بكم في المؤسسة الإسلامية لمكافحة الإرهاب™
Welcome to The Islamic Counterterrorism Institute™ (ICI)

قراءة سوسيولوجية في احداث بيروت

From The Islamic Counterterrorism Institute
Jump to: navigation, search

قراءة سوسيولوجية في احداث بيروت

"العصفور"،"ابوعلي"،"اورا"...الأساسي الحركية للميليشيويين الذين تحكموا بشوارع بيروت لاسابيع خلت قبل ان يلج اللبنانيون موجة التفاؤل الجديدة التي اعقبت مؤتمر الدوحة وانتخاب رئيس للجمهورية. في الاحوال العادية، يعيش هؤلاء على هامش المدينة. ليس لأنها ترفضهم، بل لانهم اعجز من حجز مكان لهم في سباقها اليومي على النجاح المهني، والمنافسة والابداع. كل المهن مشرفة بمجرد ان تكون شريفة، بطبيعة الحال. بيد ان هناك مهنا تضع صاحبها في اسفل السلم الاجتماعي، وسواها في اوسطه، واخرى في اعلاه. لا مشكلة في ان يولد انسان في عائلة تحتل مكانة متأخرة على هذا السلم. لان النظام الرأسمالي الليبرالي يفرز مجتمعا ذا طبقات نفاذة بمعنى ان امكانية الانتقال من واحدة الى اخرى قائمة، صعودا ام هبوطا، وفقا للمواهب والامكانات الفكرية والطموح. هذا ما لاحظه باكرا ألكسي دو توكفيل في كتابه الشهير "الديموقراطية في اميركا" وما تأخر ماركس عن فهمه. بيد ان هذا الانتقال، في وجهته التصاعدية – اي تلك الكفيلة بالتحرر من الرثاثة – ليس متاحا للجميع. ذلك انه يأخذ طابع السباق او الامتحان، وفيه من ينجح، وفيه من يرسب. ولعل من الدقيق تشبيهه بلعبة Les chaises dansanter التي يتنافس فيها لاعبون على احتلال كراس تقل عن عددهم، على ان يصبح من لا ينجح بحجز مقعد له خارج السباق. هذا الخارج يتشكل، عمليا، من الطبقات الاجتماعية الرثة. فيها يبقى من لم يعرف، يافعا، ان يتخذ من الدراسة وسيلة للترقي الاجتماعي، ومن لم يتمكن، بالغاً، من تحويل النجاح المهني الى اداة للهدف عينه. غالبا ما ينحصر نشاط هذه الطبقات بالوظائف البيولوجية التي يتشارك فيها الجنس البشري مع الكائنات كافة: الاكل، النوم، التناسل، الخ. ولمّا كان على الانسان ان يشبع قبل ان يتفلسف، ولما كان مردود الوظائف المتاحة للقابعين في هذه الطبقات يحصر همهم في تأمين الكفاف اليومي، يكون الافق الثقافي للقابعين فيها ضيقا. هكذا تترسم معالم بيئة تتفاعل فيها الهامشية الاجتماعية مع المحدودية الفكرية لتطبع اتجاهاتها الدينية بالتزمت والظلامية، وولاءاتها السياسية بمنحى ينجذب الى الاحزاب الشعبوية ذات الطروحات الراديكالية. وغالبا ما تشكل هذه البيئة ارضا خصبة لظهور القائد الملهم – القادر على ممارسة السلطة على شيعته وفقا للنمط الكاريسماتي كما وصفه ماكس فيبر – تحوله الجماعة طوطما، او نوعا من إله فان، توكل اليه أمرها وترتاح من تفكير نقدي هي اصلا عاجزة عنه. ويمكن وصف البيئات المشابهة بغير المؤاتية لنمو اتجاهات الحداثة والليبرالية.

الحروب بما هي انقلاب على السلم الاجتماعي

لماذا تتحمس البيئة الرثة للحرب؟ مما لا شك فيه ان دوافع قسم من ابنائها، اذ ينغمسون في دورة العنف، تبقى نبيلة(الذود عن الارض والعرض، الدفاع عن الوجود المهدد...الخ). بيد انه من المؤكد ايضا ان قسما آخر منهم تجذبه لعبة السلاح لاسباب مختلفة تماما. ذلك ان الاضطرابات تقدم فرصة اكيدة للانقلاب على الهرمية الطبيعية التي يحتل فيها المثقف، او رجل الاعمال، او صاحب العمل المراتب المتقدمة. يغير العنف – ولا سيما العنف الذي يدور في اطار مديني – قواعد اللعبة، او لنقل انه يزورها، ذلك انه لا ضرورة للعلم او العمل ليصبح المرء من قبضايات الاحياء. بل لنقل ان العلم او العمل مواصفات تفقد صاحبها "اهلية" القيام بهذه الوظائف. فقبضايات الاحياء هم غالبا من العاطلين عن العمل زمن السلم، او من المياومين او اصحاب المهن غير الثابتة والضعيفة المردود تعطي الحرب هؤلاء فرصة رد الاعتبار معنويا، من خلال التمتع بممارسة السلطة على الطبقات العليا – وهو من المعالم الاكيدة لمشاعر الدونية والاحباط المتراكمة – وماديا، من خلال السرقة والنهب. بهذا المعنى، تصبح المليشيّةُ في زمن الحرب الموازيَ البائسَ للجهد والعمل زمن السلم. ويصبح الفاشل في زمن الاستقرار ناجحا في زمن الازمة، والعكس بالعكس. الحرب مكافأة لكسل الأزعر ولاأخلاقيته، وانتكاسة جدية لطموح العصامي والمثابر. لذلك يوجد دوما في الطبقات الرثة من ينتشي على صوت الرصاص، رغم انها غالبا ما تدفع الثمن الأكبر لعنف الحروب باعتبارها وقودا طبيعيا لها. هذا وتشكل الحروب نقطة التقاء بين القائد الملهم الاوتوقراطي، وقبضايات زبانيته. فالاول يريد التسلط. ولما كانت اللعبة الديموقراطية تفرض حدودا على ما يمكن له الحصول عليه – لأن الديموقراطية تعطي بعض السلطة لبعض الوقت، والاله الفاني يريدها كلها لأمد غير محدد – فهو يكرهها بالسليقة. وليس من المبالغة القول انه يحتقرها. في المقابل، يغير العنف معايير تحديد الاحجام والنفوذ، فمن يحظى بتأييد بعض المجتمع، يمكن ان يسيطر على كليته بمجرد ان يصوب الى صدغه بندقية. بل يمكن لمن لا يحظى باي تأييد شعبي التوصل الى النتيجة عينها عبر السلاح. من هنا حاجة الاله الفاني للقبضايات. يخرس بهم صوت المجتمعات الحرة، ولا يعود معهم لمفاهيم الغالبية والاقلية اي معنى. ومقابل خدماتهم، يسمح لهم بممارسة السلطة الميدانية وجني فوائدها. تقاطع في المصالح لا يمكن ان يتم سوى على حساب كل ما هو عصري وحداثي في المجتمع الذي يعجز عن فرز قوة عنف شرعية تجبه الميليشيا.

بيروت في قبضة "العصفور"

نشرت صحف صادرة في لبنان خلال ايام المعارك سلسلة تقارير – عن العناصر التي احكمت قبضتها على بيروت اثر انقلاب المعارضة المسلح فيها. منهم "العصفور"، وهو ميليشيوي جاء بروفيله انه انضم الى حركة امل عام 1982 عن سن الثالثة عشرة. هو اليوم في سن التاسعة والثلاثين، ويعمل "كشاب ديليفيري" في الحمرا وفقاً لما جاء في الصحيفة. "ابو علي" نموذج آخر من حي اللجا، غيتو الفقر الشيعي في بيروت. قاتل شبان الاشتراكي في صفوف امل في الثمانينات، ونقل الى فرنسا للمعالجة. أتيحت لـ"ابي علي" فرصة البقاء في فرنسا، بيد انه اختار الرجوع الى لبنان، الى حمل السلاح الذي عاد اليه منتشيا في الاحداث الاخيرة، رغم اعاقته. ثم هناك "اورا"، الذي سافر الى سويسرا – سويسرا!!! - ثم عاد الى عين المريسة والكلاشينكوف. هذه عينة من سلسلة "سير ذاتية" – هناك الكثير غيرها – كان في الامكان من خلال التمعن فيها محاولة استخلاص قراءة تتخطى الطابع الصحافي اليومي لما جرى. فأبطال التاسع من ايار الماضي يعملون في "ديليفيري" الحمراء، او في توصيل الاراكيل الى الزبائن في الاحياء الشعبية وما شاكلها من الاعمال المشابهة. منهم من لا يخرج من حيه الاّ قليلا ويجهل بالتالي الكثير عن المناطق اللبنانية الاخرى بتشعباتها وعوائدها وناسها. ومنهم من اتيحت له فرصة اللقاء مع الحداثة الغربية على ارضها، فلفظته، او رفضها لا فرق، المهم انه لا يتأقلم معها. مجددا نقول ان المهن لا تحدد قيمة البشر، ذلك ان طريقة تصدي البشر لمهنهم تعطيها قيمتها. هذا من الناحية المعنوية. ولكن حسابات النواحي الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية تختلف. لأن دينامية المجتمعات من دينامية طبقاتها الوسطى وما فوق. وعندما يصبح اهل هذه الطبقات في قبضة "العصفور" و"ابو علي" واصدقائهما، اي عندما تصير سلامتهم الجسدية وكراماتهم ومصالحهم الاقتصادية تحت حكم نزاقتهم وكلشهم، فان بقاءهم في لبنان لن يطول. ابتلعت قطر ودبي والكويت والمهاجر الغربية المختلفة خبرات لبنانية بأعداد كبيرة. "اختلست" حواضر الخليج الصاعدة الكثير من الادوار الاقتصادية والاعلامية والسياحية لبيروت المنكوبة، وها هي منذ فترة تتوجه الى المنافسة في المجال الثقافي – منتدى ابوظبي الثقافي، افتتاح فروع لكبرى الجامعات الاميركية والفرنسية في قطر ودبي، الخ. ان تختار "جورجتاون" الدوحة دون بيروت مقراً لفرعها الاقليمي مشهد بليغ في دلالاته. اما ان يضاف الى الصورة القاتمة مشهد استئناف "أورا" واخوانه نشاطهم في العاصمة اللبنانية فهي الطريق الاكيد لخسارة اي امكانية لاستنهاضها، اي لاستعادة مهمتها الطبيعية ودورها المفقود. رب قائل ان هذا الكلام بات ماضويا وان الجو اليوم الى التفاؤل. المسألة هنا ان نتائج مؤتمر الدوحة لم تحل المشكلة الاساسية على هذا الصعيد: ماذا تفعل المدينة، ومن خلفها الجمهورية، بسلاح "حزب لله"؟ وتحديدا، كيف تحمي نفسها منه؟ ليست المسألة مسألة استعلاء طبقي ان نقول انه لا يجوز لغيتو ان يفرض نمطه على مدينة. يمكن لهذه ان تتعايش مع الهامشيين العزل، ولكن ديناميتها تختنق اذا ما تم تكريس وضع يضعها مجددا عند اي توتر مستقبلي تحت سيطرة الرعاع المسلحين والغاضبين. في التظاهرة التي توجهت الى مقر تلفزيون المستقبل خلال ايام توقفه القسري عن البث، سار حازم صاغية وحازم الامين وايلي الحاج وديانا مقلد وسحر الخطيب ونجاة شرف الدين وزاهي وهبه وسواهم دفاعا عن حرية التعبير.

وفي مكان ليس ببعيد، لوح شبان من على "الموبيلات" ببنادقهم الحربية متوعدين بالابقاء على خنقها. فأي بيروت نريد؟ مدينة الصحافي والشاعر والاعلامي ام مدينة خريج "الغيتو"، الجاهل والعنفي؟ هذا وجه اساسي من اوجه الصراع، لا يحسمه انتخاب رئيس او تشكيل حكومة او الاتفاق على قانون انتخاب. لأن التسوية ممكنة عندما تتوقف حدود الخلاف على تقاسم المصالح بمعنى السياسية السياسية (La politique politicienne)

ولكن الخلاف بين ليبراليي لبنان و"حزب الله" وجمهوره المسلح أعمق من هذا بكثير. بهذا المعنى، لا يزال الصراع مستمراً".

هشام بو ناصيف